محمد بن جرير الطبري
124
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً قال : فجأة آمنين . وأما قوله : فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فإنهم هالكون ، منقطعة حججهم ، نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلهم . كالذي : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ قال : فإذا هم مهلكون متغير حالهم . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا شيخ ، عن مجاهد : فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ قال : فإذا هم مهلكون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ قال : المبلس : الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه ، والمبلس أشد من المستكين ، وقرأ : فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ وكان أول مرة فيه معاتبة وتقية ، وقرأ قول الله : فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا حتى بلغ : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ثم جاء أمر ليس فيه تقية ، وقرأ : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فجاء أمر ليس فيه تقية ، وكان الأول لو أنهم تضرعوا كشف عنهم . حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، عن أبي شريح ضبارة بن مالك ، عن أبي الصلت ، عن حرملة أبي عبد الرحمن ، عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت الله يعطي عبده في دنياه ، إنما هو استدراج " ثم تلا هذه الآية : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ إلى قوله : وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وحدثت بهذا الحديث عن محمد بن حرب ، عن ابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وإذا رأيت الله تعالى يعطي العباد ما يسألون على معاصيهم إياه ، فإنما ذلك استدراج منه لهم " ثم تلا : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ الآية . وأصل الإبلاس في كلام العرب عند بعضهم : الحزن على الشيء والندم عليه . وعند بعضهم : انقطاع الحجة والسكوت عند انقطاع الحجة . وعند بعضهم : الخشوع ، وقالوا : هو المخذول المتروك ، ومنه قول العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا فتأويل قوله : " وأبلسا " عند الذين زعموا أن الإبلاس : انقطاع الحجة والسكوت عنده ، بمعنى : أنه لم يحر جوابا . وتأوله الآخرون بمعنى الخشوع ، وترك أهله إياه مقيما بمكانه . والآخرون : بمعنى الحزن والندم ، يقال منه : أبلس الرجل إبلاسا ، ومنه قيل لإبليس : إبليس . القول في تأويل قوله تعالى : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فاستؤصل القوم الذين عتوا على ربهم وكذبوا رسله وخالفوا أمره عن آخرهم ، فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتة ، إذ جاءهم عذاب الله وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يقول : فقطع أصل الذين ظلموا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا . قال : استؤصلوا . ودابر القوم : الذي يدبرهم ، وهو الذي يكون في أدبارهم وآخرهم ، يقال في الكلام : قد دبر القوم فلان يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم ، ومنه قول أمية : فاهلكوا بعذاب حص دابرهم * فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول : والثناء الكامل ، والشكر التام لله رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته ، بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر ، وتحقيق عداتهم ما وعدوهم على